|

4 شوّال 1445 هـ

مسابقة السيرة النبوية | استمع في دقيقة وربع إلى: " الشرك الأصغر" للدكتور/ صالح بن مقبل العصيمي التميمي | يمكنكم الأن إرسال أسئلتكم وسيجيب عليها فضيلة الشيخ الدكتور صالح العصيمي

 

الْخُطْبَةُ الْأُولَى

إنَّ الحمدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهدِ اللهُ فلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ - صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا . أمَّا بَعْدُ ... فَاتَّقُوا اللهَ- عِبَادَ اللهِ- حقَّ التَّقْوَى؛ واعلَمُوا أنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى. وَاِعْلَمُوا بِأَنَّ خَيْرَ الْهَدْيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ  

عِبادَ اللهِ، هُناكَ فِئَةٌ مِنَ النَّاسِ لا يَرعَوُونَ عَن تَتَبُعِ عَوْرَاتِ النَّاسِ والبَحْثِ عَنْ زَلاتِهِمْ بِهَدَفِ فَضْحِهِمْ، وهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ ،وتَشْويهِ سُمعَتهِم ، خاصةً معَ ظُهورِ الأَجهزةِ الحَديثةِ، فَينْشُرُونُ الفضَائِحَ والقَبائِحَ عبَر مُعرِّفَاتٍ مَجهولَةٍ، ومُسمَّياتٍ غَيرَ مَعْرُوفَةٍ، لأَنَّهُمْ يَخشَونَ النَّاسَ وَلا يَخشَونَ اللهَ، ويَستَخفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَستَخفُونَ مِنَ اللهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا}، ولَكنَّ صَنِيعَهُمْ هَذَا كَبِيرٌ قَبِيحٌ وهُوَ عِندَ اللهِ عَظيمٌ " وكَمَا قَالَ تَعالى: " وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ " وللهِ دَرُ القَائِلِ :

لَا تَلتَمسْ مِن مَساوي النَّاسِ مَا سَتروا

                                         فَيكشِفَ اللهُ سِتْرًا عَن مَساوِيكَا

وَاذْكُرْ مَحاسِنَ مَا فِيهِمْ إِذَا ذُكـِــــــــــــرُوا

                                        وَلا تَعِبْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِما فِيكَا

وَاستَغْنِ بِاللهِ عَنْ كُــــــــــــــــــــــــــلٍّ فَإنَ بِهِ

                                       غَنًى لِكُلٍ وثِـــــــــــقْ بِاللهِ يَكفِيْكًا

فَعَلَى المؤمنِ أَنْ يَتَقِىَ اللهَ فِي نَفْسِهِ، وإِذَا وَصلتْ إِليهِ هَذِهِ الفضائِحُ فَعليهِ أَن يَخافَ مِن اللهِ، ويَخشاهُ، ولْيكُنْ مَنهجُهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالى: " لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ "، فَالمُؤمِنُ كَمَا قَالَ الفُضَيلُ ابنُ عياضٍ: " يَستُرُ وَيَنْصَحُ ،والفَاجرُ يَهتِكُ ويُعَيِّرُ"  والأعْجَبُ مِن هؤلاءِ مَن يَبحثُ بِنفْسِهِ عَن الفضائِحِ ويِقُومُ بتَتَبُعِهَا ثُمَّ إِشاعَتِهَا بَينَ النَّاسِ، وهَذَا عملٌ لا يَفعَلُهُ مَن وَقَرَ الإيمانُ في قَلبِهِ، واستَقرَّ فِي وِجدَانِهِ ،وثَبَتَ عَلى أَرْكَانِهِ. ألا يُرهِبُ هَؤُلاءِ ويُرعِبُهُمْ قَولُهُ تَعَالى: " إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ"؟! أَلا يُخيفُهُم قَولُهُ، صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ومَن كَشفَ عورةَ أَخيهِ المُسلمِ كَشَفَ اللهُ عَورَتَهُ، حتى يَفْضَحْهُ بِها فِي بَيتِهِ "؟! رَوَاهُ التِرمِذِيُ بإسنادٍ حَسنٍ، ومَا قَالَه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَو فِي جَوْفِ بَيْتِهِ" أَخْرَجَهُ أَبُو داودَ بإسنادٍ جِيدٍ. فانْظُرْ إِلى التحْذِيرِ العَظِيمِ، والتَّرهِيبِ المُخِيفِ لِمَنْ يأتونَ هَذا الخُلُقَ الذَّمِيمَ؛ حيثُ تَوَعَّدَهُمْ رَسولُ اللهِ، صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بأنَّ اللهَ سيَتَّبِعُ عَوْرَاتِهِمْ، ويَهتِكُ أَستارَهُم، ويَفْضحُهُمْ فِي أَجوافِ بُيوتِهِمْ، فَسبحانَ اللهِ! يُؤمَرُ المؤمنُ بالستْرِ، بَلْ يَنالُ وَعدًا عَظيمًا بأنَّ اللهَ سَيسترُ عَليهِ إِنْ هوَ سَتر عَلى عِبادِ اللهِ، لقولِه صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ سَتَرَ مُسلمًا سترهُ اللهُ يَومَ القيامَةِ "رواهُ البُخَاريُّ وَمُسْلِمٌ، ومَع ذَلكَ لا يَرعَوونَ؛ فيحدثُ مِنْ بَعضِهِم بدَلَ السِترِ الفَضْحُ. والمؤمنُ الحقُ هوَ الذِى إِذا رَأى مُسلمًا عَلَى فِعلٍ قَبيحٍ فَلا يُظهِرُهُ للنَّاسِ، وإنَّما عَليهِ أَن يُناصِحَهُ، مَا استطاعَ إِلى ذَلكَ سَبيلاً، فَإنْ عَجزَ عَن النُصحِ أَو لا يَستطِيعُ الوُصولَ إِليهِ لِنُصحِهِ،كَأَنْ يَكونَ هذَا الفعلُ الصَّادِرُ مِنَ المسْلِمِ، وَصَلَ إِلِيْهِ عبَر َمَقْطعِ فِيديُو، فَلا يستطيعُ الوُصولَ إِلى هَذا المُسلمِ؛ فَعليهِ حَذفُ هَذا المقْطَعِ ،وَلا يعيدُ إِرسَالَهُ ،ويُنَاصِحُ مَنْ أَرسَلَهُ ، مَعَ العِلمِ أَنَّهُ مَع تَقَدُّم ِالتقْنِيَةِ الحديثةِ، والطُرُقِ الُمتَقَدِّمَةِ في المُونتَاجِ، أصبَحتْ صِنَاعةُ الفيديوهاتِ المُختَرَعَةِ سَهلةً ميسورةً، فَكم مِن مُسلمٍ أُخرِجَ لَه عَملٌ قبيحٌ مُصوَّرٌ مَكذوبٌ عَليهِ ،مخُتَلقٌ ،مُفترىً فيه عَليهِ! بَلْ ويَتعَرضُونَ بسببِ هَذهِ الافتراءاتِ للابتزازِ مِن أُناسٍ مَشبوهِينَ، يُهدِدُونَهم بِفَضحِهِمْ ، وَهُمْ بُرءَآءُ مِن هَذَا العمَلِ المُشينِ، ومَعَ ذَلكَ تَصِلُ لبَعضِ النَّاسِ مثلُ هذِهِ المقَاطِعِ الكَاذِبَةِ؛ فيُصدِّقُهَا ويُروِّجُهَا وبَينَ النَّاسِ يُشيعُهَا ،مَع أَنَّ المَنهَجَ الحقَّ التزامُ قَوْلِهِ تَعَالى: " لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ "

عِبَادَ اللهِ، عَلينَا أَن نَتَقِيَ اللهَ في أَنفسِنَا، وأَن نَستـُرَ العَورَاتِ ،وكَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنَّك إن اتَّبعت عَوْرات الناس أفسدتهم أو كدتَ أن تُفسِدهم)، رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. بَلْ انظُرْ إِلَى مَوْقِفِهِ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ صَحَابِيٍّ لَمْ يَسْتُرْ عَلَى أَخٍ لهُ؛ فَعَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ: أَنَّ هَزَّالًا كَانَ اسْتَأْجَرَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: فَاطِمَةُ، قَدْ أُمْلِكَتْ، وَكَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا لَهُمْ، وَإِنَّ مَاعِزًا وَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَخْبَرَ هَزَّالًا فَخَدَعَهُ، فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبِرْهُ، عَسَى أَنْ يَنْزِلَ فِيكَ قُرْآنٌ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَيْلَكَ يَا هَزَّالُ، لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ، كَانَ خَيْرًا لَكَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. فَانظُرْ إِلَى هَذَا الحدِيثِ العَظِيمِ، وكَيفَ قَالَ لَهْ الرَّسُولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: (لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ، كَانَ خَيْرًا لَكَ)، وَلَمْ يَقُلْ: خَيْرًا لَهُ، فالأجرُ العظيمُ لِمَنْ ستَرَ عَلَى مُسْلِمٍ، فينبَغِي لِمَنْ عَرَفَهُ أَلَّا يُفرِّطَ فِيهِ، وَلَقَدْ طبَّقَ الصَّحَابَةُ هَذَا الْمَنْهَجَ بالبُعْدِ عَنِ البَحْثِ عَنْ مَوَاطِنِ عَوَرَاتِ النَّاسِ، طَالَمَا أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ سُلْطَةٍ وَرِجَالَ حِسْبَةٍ، نَعَمْ هَذَا مَنهَجُ صَحْبِ مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، مُرَاعَاةُ أَصْحَابِ الذُّنُوبِ، وَعَدَمُ سَبِّهِمِ وَالشَّمَاتَةِ بِهِمْ، وَسُؤَالُ اللهِ السَّلَامَةَ وَالسِّتْرُ عَلَيْهِمْ. وَانظُرْ إِلَى هَذَا الأَمْرَ وَتَأمَّلْ ذَلِكَ، وَهُوَ " أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَصَابَ ذَنْبًا، فَكَانُوا يَسُبُّونَهُ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَجَدْتُمُوهُ فِي قَلِيبٍ أَلَمْ تَكُونُوا مُسْتخْرِجِيهِ؟» ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «فَلَا تَسُبُّوا أَخَاكُمْ وَاحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي عَافَاكُمْ» ، قَالُوا: أَفَلَا تَبْغَضُهُ؟ قَالَ:«إِنَّمَا أَبْغَضُ عَمَلَهُ، فَإِذَا تَرَكَهُ فَهُوَ أَخِي» أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّازَّقُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَهَذَا اِبْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ،  يُؤكِّدُ هَذَا الْمَعْنَى الْعَظِيمَ فَقَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمْ أَخَاكُمْ قَارَفَ ذَنْبًا فَلَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ تَقُولُوا: اللهُمَّ اخْزِهِ، اللهُمَّ الْعَنْهُ، وَلَكِنْ سَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ فَإِنَّا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُنَّا لَا نَقُولُ فِي أَحَدٍ شَيْئًا حَتَّى نَعْلَمَ عَلَى مَا يَمُوتُ، فَإِنْ خُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ خَيْرًا، وَإِنْ خُتِمَ لَهُ بِشَرٍّ خِفْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ " أخرجه البغويُّ،  قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (إِنِّي لَأَذْكُرُ أَوَّلَ رَجُلٍ قَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُتِيَ بِسَارِقٍ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ فَكَأَنَّمَا أَسِفَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ كَرِهْتَ قَطْعَهُ، قَالَ: «وَمَا يَمْنَعُنِي؟ لَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ حَدٌّ إِلَّا أَنْ يُقِيمَهُ، إِنَّ اللَّهَ عَفُوٌّ يُحِبُّ الْعَفْوَ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ: " لَوْ أَخَذْتُ سَارِقًا لَأَحْبَبْتُ أَنْ يَسْتُرَهُ اللَّهُ وَلَوْ أَخَذْتُ شَارِبًا لَأَحْبَبْتُ أَنْ يَسْتُرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " أخرجه ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَسْتُرُ اللهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا، إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وقال الْحَسَنَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ سِتْرٌ فَلَا يَكْشِفْهُ»، وَقَالَ الْعَلَاءِ بْنِ بَدْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ( لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَوْمًا يَسْتُرُونَ الذُّنُوبَ)، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (القَائلُ الفَاحِشَةَ، والذِي يُشيعُ بِها فِي الإثمِ سَواءٌ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَعَنْ شُبيل بْنِ عَوْفٍ قَالَ: كَان يُقالُ: (مَن سَمِعَ بِفَاحِشةٍ فَأفشَاهَا فَهُو فِيهَا كَالذي أَبَداهَا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَقِيلَ لابنٍ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "هذا فلان تقطر لحيَتُهُ خَمْرًا، فَقَالَ:" إنَّا قد نُهِينَا عَنِ التَّجَسُّسِ، وَلَكِنْ إِنْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ نَأْخُذْ بِهِ" رَوَاهُ أَبُو دَاودَ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وانظرْ إِلى هَذَا الْـخَبَـرِ الَّذِي جَسَّدَ بِهِ عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مَعْنَـى السَّتْـرِ؛ إذ جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي وَجَدْتُ صَبِيًّا وَوَجَدْتُ مَعَهُ قُبْطِيَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَخَذْتُهُ وَاسْتَأْجَرْتُ لَهُ ظِئْرًا، وَإِنَّ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ يَأْتِينَهُ فَيُقَبِّلْنَهُ لَا أَدْرِي أَيُّهُنَّ أُمُّهُ، فَقَالَ لَهَا: " إِذَا هُنَّ أَتَيْنَكَ فَأَعْلِمْينِي "، فَفَعَلْتُ، فَقَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْهُنَّ: " أَيَّتُكُنَّ أُمُّ هَذَا الصَّبِيِّ؟ " فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا أَحْسَنْتَ وَلَا أَجْمَلْتَ يَا عُمَرُ، تَعَمَدُ إِلَى امْرَأَةٍ سَتَرَ اللهُ عَلَيْهَا فَتُرِيدُ أَنْ تَهْتِكَ سِتْرَهَا، قَالَ: " صَدَقْتِ "، ثُمَّ قَالَ لِلْمَرْأَةِ: " إِذَا أَتَيْنَاكِ فَلَا تَسْأَلِيهِنَّ عَنْ شَيْءٍ وَأَحْسِنِي إِلَى صَبِيِّهِنَّ " ثُمَّ انْصَرَفَ" رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، فَانظُرْ إِلَى عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَيْفَ أخَذَ بِرَأْيِ الْمَرْأَةِ الَّتِي ابتَغَتِ السَّتْرَ عَلَى مَنْ أَخْطَأَتْ وَأَقرَّهَا عَلَى ذَلِكَ، وَمَا فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ إِلَّا لَمَّا ثبَتَ عِنْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَمَا قَالَ لِهَزَّالِ بنِ ذِئَابِ بنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - الَّذِي أَشَارَ عَلَى مَاعِزٍ أَنْ يُقِرَّ بِذَنْبِهِ: (لَوْ سَتَرْتَهُ كَانَ خَيْرًا لَكَ).                                                             

أَفَلَا يَسَعُنَا مَا وَسِعَ هَؤُلَاءِ الْكِرَامِ الأَطْهَارِ، الطَّيِبِينَ الأَخْيَارِ؟!

اللَّهُمَّ آمِنْ رَوْعَاتِنَا، وَاسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَأَسْدِلَ عَلَيْنَا سَتْرَكَ، وَلَا تَفْضَحْنَا بَيْنَ خَلْقِكَ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ 

 

 الخُطْبةُ الثَّانيةُ 

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشَهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلَهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ،وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً . أمَّا بَعْدُ ...... فَاِتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاِسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَاِعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى                                            .

عِبَادَ اللهِ، الأَصْلُ أَنْ يُسْتَــرَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، سَوَاءَ أَكَانَ بَرًّا ، أَمْ فَاجِرًا، وَهَذَا السَّتْــرُ يَكُونُ بِـحَقِّ كُلِّ مُسْلِمٍ، اِقْتَصَرَ ذَنْبُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ إِيذَاءُ النَّاسِ، أَمَّا مَنْ تَعَدَّى فَسَادُهُ إِلَى غَيْـرِهِ ، كَمَنْ أَصْبَحَ يُرَوِّجُ لِلْمُخَدِّرَاتِ، أَوِ الْـخُمُورِ أَوِ الْـخَنَا؛  فَلَا يُسْتَـرُ عَلَيهِ، وَلَا كَرَامَةَ لَهُ، وَعَلَى هَذَا إِجْـمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ –رَحِـمَهُ اللهُ-: (بَلْ تُرْفَعُ قَضِيَّــتُــهُ إِلَى وَليِّ الأَمْرِ؛ لأَنَّ السَّتْـرَ عَلَى هَذَا يُطْمِّعُهُ فِي الإِيذَاءِ وَالْفَسَادِ، وَاِنْتِهَاكِ الْـحُرُمَاتِ، وَجَسَارَةُ غَيْـرِهِ عَلَى مِثْلِ فِعْلِهِ)، ثُـمَّ قَالَ رَحِـمَهُ اللهُ : (وَالسَّتْـرُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي مَعْصِيَةٍ وَقَعَتْ وَاِنْقَضَتْ، أَمَّا مَعْصِيَةٍ رَآهُ عَلَيْهَا  وَلَـمْ يَفْعَلْهَا بَعْدُ؛ فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةْ بِإِنْكَارِهَا عَلَيْهِ، وَمَنْعُهُ مِنْهَا، عَلَى كُلِّ مَنْ قَدِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يـَحِلُّ تَأْخِيـرُهَا، فَإِنْ عَجَزَ لَزَمَ رَفْعُهَا إِلَى وَلِيِّ الأَمْرِ، إِذَا لَـمْ تَتَـرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ). اِنْتَهَى كَلَامُهُ رَحِـمَهُ اللهُ. وَقَالَ الإِمَامُ اِبْنُ حَجَرٍ –رَحِـمَهُ اللهُ -: (وَمِثْلُ هَذَا الرَّفْعُ لِلْحَاكِمِ لَيْسَ مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، بَلْ مِنَ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ). اِنْتَهَى كَلَامُهُ رَحِـمَهُ اللهُ، قُلْتُ: وَمِثَالُ ذَلِكَ مَنْ رَأَى رَجُلًا قَامَ بإِرْكَابِ اِمْرَأَةٍ لَا تَـحِلُّ لَهُ، وَثَبَتَ عِنْدَهُ ذَلِكَ يقِينًا لَا شَكًّا، أَوْ ظَنًّا؛ فَعَلَيهِ الْمُبَادَرَةُ بِالإِنْكَارِ عَلَيْهِمَا، وَالإِبْلَاغُ إِذَا عَجَزَ؛ حَتَّـى لَا يَقَعَ بَيْنَهُمَا مَا حَرَّمَ اللهَ، وَلأَنَّهُ هُنَا لَـمْ يَقَعْ بَعْدُ فِي الذَّنْبِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ السَّتْـرَ، وَإِنَّـمَا وَقَعَ فِي وَسِيلَةِ الذَّنْبِ فَيُمْنَعُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الذَّنْبِ، فَلَابُدَّ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ الْفَرْقَ بَيْـنَ فِقْهِ السَّتْـرِ وَفِقْهِ الإِنْكَارِ، وَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ يَسْتُـرُ وَعَلَيْهِ يُبَلَّغُ وَيُنْكِرُ. اللَّهُمَّ اُمنُنْ عَلَيْنَا بِسَتْـرِكَ.

الَّلهُمَّ اِحْمِ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ الإِسْلَامِ مِنَ الفِتَنِ، وَالمِحَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن، الَّلهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا، لِمَا تُحِبُ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، الَّلهُمَّ اجْعَلْهُ سِلْمًا لِأْوْلِيَائِكَ ،حَرْباً عَلَى أَعْدَائِكَ، الَّلهُم ارْفَعْ رَايَةَ السُّنَّةِ، وَأَقْمَعْ رَايَةَ البِدْعَةِ، الَّلهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، اللهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ، ونَسْتَعِيذُ بِكَ مِمَّا اسْتَعَاذَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ  .وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...