نظرات مختصرة في التوبة
595 قراءة
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث هدى ورحمة للعالمين ، وعلى آله ،وأصحابه،وَأَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد:  فالتوبة  - ياعباد الله- واجبة على كل مسلم ومسلمة ، وينبغى كما قال الإمام ابن رجب -رحمه الله: (أن تكون وظيفة العمر) ، أعاننا الله وإياكم عليها ،وعلى التزام شروطها! وإنها ليسيرة لمن يسرها الله له، وهاك شروطها بالجملة  :
١-الاعتراف بالذنب؛ لقوله ﷺ : (فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب؛ تاب الله عليه ) رواه مسلم. فهناك من لا يعترفون بذنوبهم ، فهم يرتكبون المعاصي والآثام،  ولا يرونها منكرات ،بل يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وهؤلاء في الغالب لا يوفقون للتوبة ، كمن يسمع المعازف ولا يرى انها معصية؛ فهو لم يعترف أنه مذنب مع أنه أتى كبيرة من كبائر الذنوب، فكيف يتوب من هذا الذنب وهو لم يعترف به؟!
٢-الندم على  ما فات من ارتكابه للمعصية، قال النبي: ﷺ( الندم توبة) أخرجه ابن ماجة وغيره بسند صحيح٠
٣-الإقلاع عن الذنب فوراً وعدم التسويف ،وهذا هو الشرط الأساسي للتوبة؛ لقوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}  ففي هذه الآية ،إشارة إلى معنى الإقلاع عن المعصية، أي :الكف عنها، كمن يشاهد فيلما ماجنا وفي أثناء مشاهدة الفيلم ندم وخاف الله، وقرر أن يتوب من مشاهدة الأفلام المحرمة، فهنا عليه أن يُقلع من هذا الذنب فوراً ، ولا ينتظر حتى نهاية الفيلم، لذا فلابد من الإقلاع الفور عن المعصية التي يريد العبد أن يتوب منها، حتى تصح توبته ٠
٤-العزم على عدم العودة  للذنب الذي تاب منه  مرة أخرى؛قال تعالى:{فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} فلابد مع الاعتراف والندم والإقلاع عن الذنب،  أن يقرر من أعماقه وبنية صادقة  ألا يعود لهذه المعصية مرة أخرى، ولو ترك الذنب الذي تاب منه،بنية صادقة ، ولكن ضعفت نفسه بعد مدة من الزمن،  ورجع لنفس الذنب مرة أخرى؛ فعسى الله أن يغفر له ما مضى، بسبب صدق توبته ، وعليه أن يسأل الله العون على التوبة مرة أخرى من هذا الذنب وغيره من الذنوب  ٠
 ٥-العمل الصالح بعد التوبة؛ لقوله تعالى:{  إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)؛ فلابد أن يعقب التوبة الخالصة الصادقة عمل صالح يدل عليها٠
٦-رد الحقوق  لأصحابها؛ لقوله، صلى الله عليه وسلم :" من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه، أو من شيء؛ فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم ،إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ،وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" رواه البخاري٠
 
وهذه الحقوق إما حقوق مادية ،أو  حقوق معنوية، ينبغي أن تعاد لأصحابها، حتى تكون التوبة صادقة وحقيقية،
 
فالمادية تعاد سواء كانت نقدا ،أو عقارا، أو ثائق ، أو كتبا، أو غير ذلك، وتعاد إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، فتراعى المصلحة عند إعادتها، فإذا كانت إعادتها مباشرة لن تترتب عليها مفسدة كقطيعة رحم، أو صداقة، أو علاقة ، أو عزل من عمل ،وفقدان ثقة ، فيعيدها مباشرة، وإذا كانت الإعادة المباشرة ستترب عليها مفاسد ، فيعيدها بطريقة أخرى؛ فليرسلها بالبريد دونما ذكر اسم المرسل أو يضعها عند منزله دونما معرفة من أحضرها، المهم يجتهد في الموضوع ويختار الطريقة المناسبة لأعادتها، ولو لم يعرف  صاحب الحق من أعادها، لان المقصد الشرعي عودة الحق لأصحابه ٠
- وأما الحقوق المعنوية ،كتشويه السمعة، والغيبة  ،والظلم، ، وإلإهانة، والسخرية ، وغير ذلك، فتكون التوبة منها بما يلي :
 بطلب الاستحلال منهم مباشرة أو بواسطة طرف آخر ،إذا تعذرت المباشرة بسبب انقطاع العلاقة نتيجة لهذه الإساءة، والنفوس مشحونة ، 
-فإذا تعذر هذا الاستحلال لخوف ردة فعلهم الرافضة للعفو عنك ،خاصة إذا كانوا يجهلون ما فعلته نحوهم، أو تخشى غضبهم عليك إذا علموا بما قلته عنهم، ، وسوف يترتب على هذا قطع  أواصر الأخوة  ،والقرابة، والصداقة معهم؛ فتكون التوبة  بأمرين:
أ-الثناء عليهم خاصة في المجالس التي تم القدح فيهم بها.  فهناك مثلاً من ينتهك عرضه، ويوصف بالبخل والشح ، وضعف العبادة ، وغير ذلك، فعلى من إغتابه أن يذكره بالخير في المجالس ،خاصة التي قدح فيه بها، حتى لو وصف بالتناقض ، فعليه أن يبين للحضور بأنه كان مخطئاً بحق المغتاب ، فلو قال  مثلا في مجلس: إن فلانا  من الناس بخيل ، أو ظالم، أو كذاب ،أو قاطع رحم ، فعليه أن يعود لهذا المجلس -إذا أمكن ذلك- ويثني عليه أمام من أغتابه أمامهم ، ويبين بأنه كان مخطئا عندما وصفه بالبخل، ويذكر أفعاله الطيبة ٠  
ب- عليه الدعاء لمن أغتابهم  بظهر الغيب٠
٧-أن تقع التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها لقوله تعالى{ ٠٠يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ} ولقوله  ﷺ :(من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه)أخرجه مسلم .
٨-أن تكون قبل الغرغرة؛
لقوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ}
ولقوله  ﷺ: (إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر ) أخرجه الترمذي والحاكم بسند صحيح ٠ 
-ولو  فرضنا عاد العبد للذنب بعد التزامه التوبة وفق الشروط الشرعية؛ فنرجو أن يغفر الله له ما مضى؛ فالله غفور رحيم،  طالما أن توبته كانت صادقة ،وفي الحديث القدسي : فيما يروي ﷺ عن ربه تبارك وتعالى، أنه  قال:(أذنب عبد ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي ربي اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب ،فقال: أي ربي اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء )متفق عليه،
فالله غفور رحيم ، فقط اصدق بالتوبة من قلبك وثق بربك، وجاهد نفسك لئلا تعود للذنب مرة أخرى٠
-كما لا يلزم العبد أن يتوب من جميع الذنوب؛ حتى تقبل منه توبته ،إلا إذا كانت الذنوب من جنس واحد ،ومثال ذلك :من تاب من الخمر ،ولكنه يتعاطى المخدر ،فهذا لا يعد تائبا من المسكرات؛ لأن هذه الذنوب من جنس واحد٠
-لكن لو تاب  من شرب الخمر، أو من سماع المعازف ،وهو مسبل ، فنرجو أن يغفر الله له ذنبه من سماع المعازف ، وشرب المسكرات، مع بقاء ذنب الإسبال عليه ،فلابد  له من التوبة منه.
-وفقنا الله جميعا للتوبة! وتقبلها منا ! وهدانا الى مايرضيه عنا!  وصلى الله وسلم على نبينا محمد ،وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا٠
 
-قاله وكتبه ،الدكتور :صالح بن مقبل بن عبد الله العصيمي ،التميمي، عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام :محمد بن  سعود، الإسلامية بالرياض