عمر بن الخطاب والغلام أصيل
974 قراءة
 

حدثنا التاريخ أن امرأة في صنعاء سافر عنها زوجها، وترك عندها أمانة ابناً له يُقال له أصيل من زوجة أخرى؛ فاتخذت المرأة بعد سفر زوجها خليلاً لها تمارس معه الزنا، فقالت لخليلها: إن هذا الغلام يفضحنا ويخبر والده بصنيعنا فاقتله؛ فأبى أن يقتله فامتنعت عن خليلها، ولم تعد تمكنه من نفسها، فطاوعها بعد ذلك على قتله؛ فاجتمعا على قتله هو وهي، ورجلٌ آخر، وخادمُها؛ فقتلوه، ثم قطعوا أعضاءه، وطرحوه في بئر في ناحية القرية ليس فيها ماء، ثم صاحت المرأة – أي بدأت تبكي على فقدان الغلام، تقتل القتيل وتمشي في جنازته – فاجتمع الناس بعد بكائها يبحثون عن الغلام، فمر رجل بالبئر التي فيها الغلام مقتول، فخرج منها ذباب، فقال: والله إن في هذه البئر جيفة، وكان معهم خليل المرأة – الذي قام بقتل الغلام – فتغير وجهه وشكوا فيه فحبسوه، وأخرجوا جثة الغلام، فاعترف الرجل بقتل الغلام وأن زوجة والد الغلام شاركته في القتل، فأُخذت المرأة فاعترفت ودلت على الرجل الآخر وخادمها فاعترفا، فكتب الأمير بشأنهم إلى عمر رضي الله عنه، يستفتيه ماذا يصنع بهم، فكتب عمر بقتلهم جميعاً؛ وقال: (والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين)، الخبر رواه البيهقي وغيره وسنده ثابت فهذا العبقري الملهم -رضي الله عنه وأرضاه- قد علم أن الحكمُ المتقرر في أمر القصاص هو أن النفس بالنفس؛ لأن التماثل من شأنه أن يحقق مقاصد القصاص، وقد علم في الوقت نفسه أن هؤلاء لجأوا إلى الحيلة لكي ينجوا من القصاص، وسلكوا مسلك القتل الجماعي وخشي أن تتخذ عمليات القتل طابع جرائم العصابات الجماعية المنظمة، ويصبح تنفيذ الاغتيالات عملاً جماعياً فراراً من القصاص؛ ومن الظلم أن يعطل القصاص تمسكاً بانتفاء التماثل، احتجاجاً بعدم تعيّن القاتل في شخصٍ بعينه؛ وعلم أن هذا سيفضي إلى انتشار التعاون على الإثم والعدوان، فراراً من القصاص الذي يستوجبه قتل القاتل إذا كان فرداً. واجتناباً لهذا المآل؛ قضى -رضي الله عنه- بأن يقتص لمن قُتل ولو كان عدد قتلته كُثرا؛ سدّا لذريعة العدوان على الناس بالقتل الجماعي وأصدر -رضي الله عنه- أمره وفتواه الحاسمة والحازمة بأن يقتل هؤلاء الأربعة بسبب اتفاقهم على قتل هذا الغلام الصغير، فأغلق بابا كان سيتسع لولا أن الله ألهمه هذا الرأي الموفق الذي لم يخالفه عليه أحد من الصحابة، وسد على الأمة بابا كان سيصعب إغلاق ثلمه، وهكذا تبقى قيمة النفس البشرية في الإسلام، لها القيمة والمكانة نفسيهما بحيث يُقتل من قتلها ولو كانوا أهل بلد أجمع. وفُهم قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) الحكم بالقصاص على القاتل أو القتلة يقلل من لجوء الناس إلى القتل كوسيلة انتقام فالحكم بقتل القاتل سبب من أسباب استمرار الحياة فعندما يعلم القاتل أنه سيُقتل سيُحجم الآلاف عن اللجوء للقتل خشية من الحكم عليهم بالقصاص، لذا بين القرآن أن القصاص حياة، لكن لو علم القاتل أنه لن يُقتل، ولن يحكم عليه بشريعة القصاص، فسيستهين القاتل بالقتل، وستكون خسارة الأرواح أكثر، فهل هناك شرع أكمل من شرع الله؟ أو حكم أعدل من حكم الله؟ قال تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون) فلننظر إلى عظمة هذا الدين، كيف احترم الإنسان وشرع القصاص؛ بل وقتل عمر ـ رضي الله عنه ـ رجالا ونساء أحرارا وعبيدا، لقتلهم غلاماً صغيراً، احتراماً للنفس البشرية، ورسالة للقتلة في كل مكان، أن القاتل يُقتل. ولنا لقاء.

قاله وكتبه:أبوعبد الإله الدكتور/صَالحُ بْنُ مُقبِلٍ العُصَيْمِيَّ التَّمِيمِيِّ

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

والمشرف العام على موقع الإسلام نقي

www alislamnaqi.com             

تويتر، وفيس بوك DrsalehAlosaimi@

الرياض - ص.ب: 120969 - الرمز: 11689

فاكس وهاتف: 012414080

البريد الإلكتروني: s555549291@gmail.com