وفاة الرسول
1375 قراءة
 

       بِطِيبَة َرَسْمٌ للرَّسُــــــولِ وَمَعْهَــــــــدٌ                   مُنِيـرٌ، وَقَدْ تَعْفُو الرُّسُومُ وتَـهْمَدُ

لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ،فَقَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا:وَا كَرْبَ أَبَاهُ،فَقَالَ لَهَا:"لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ")( ).ثُمَّ اِشْتْدَّ الْوَجَعُ بالرَّسُولِ  صلى الله عليه وسلم  فَأَسْنَدَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا إلى صَدْرِهَا،وبَيْنَ يَدَيْهِ عُلْبَةٌ ِفيهَا مَاءٌ،فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي المَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: «لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ» ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ:"فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ"( ) ماتَ رسولُ اللهِ، ماتَ أعظمُ خلقِ اللهِ، ماتَ خِيرَةُ خلقِ اللهِ، وَتَسَرَّبَ النَّبَأُ المحزن،نبأ وفاته صلى الله عليه وسلم ،فِي جَمِيعِ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ، وَأَظْلَمَتْ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَرْجَاؤُهَا وَآفَاقُهَا ، كَيْفَ لَا وَقَدِ اِنْطَفَأَ ضِيَاؤُهَا، وخبأ سِرَاجُهَا ؟! أَنَارَتِ الْمَدِينَةُ يَوْمَ قَدِمَ إليهَا مُهَاجِرًا، وَأَظْلَمَتْ يَوْمَ مَوتِهِ  صلى الله عليه وسلم   ;كما قَالَ أَنَسٌ: " شَهِدْتُهُ يَوْمَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا كَانَ أَحْسَنَ ،ولَا أَضْوَأَ مِنْ يَوْمٍ دَخَلَ عَلَيْنَا فِيهِ, وَشَهِدْتُ يَوْمَ مَاتَ، فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا كَانَ أَقْبَحَ وَلَا أَظْلَمَ مِنْ يَوْمٍ مَاتَ فِيهِ  صلى الله عليه وسلم  ( )، فضَجَّتِ الْمَدِينَةُ بِالبُكَاءِ، فلقدْ حلَّتْ بِهَا قَاصِمَةُ الظَّهْرِ، ومُصِيبَةُ الدَّهْرِ؟فَاشَّتَدَّتِ الرَّزِيَّةُ،وَعَظُمَ الْخَطْبُ وَجَلَّ الأمْرُ،وأُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بنبِيِّهِمْ، فمِنْهُمْ مَنْ دُهِشَ فَخُولِطَ،ومِنْهُمْ مَنْ أُقْعِدَ فلَمْ يُطِقِ القِيامَ، وَمِنْهُمْ مَنْ اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ فلَمْ يُطِقِ الكَلَامَ، ودَخَلَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ وَالْمُغِيرَةُ رضي الله عنهما،لِيتَأَكَّدَا مِنْ صِحَّةِ الْخَبَرِ؛فَلَمَّا نَظَرَا إِلَيهِ قَالَ عُمَرُ:واغَشِيَاهُ! غُشِيَ عَلَى رسولِ اللهِ  صلى الله عليه وسلم ، فقَالَ الـْمُغِيـرَةُ:يَا عُمَرُ،مَاتَ رسُولُ الله  صلى الله عليه وسلم  ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ:لَا،لَايَـمُوتُ رسولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  ،حتـَّى يُفنـِيَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ ثم أقبلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رضيَ اللهُ عنهُ- مُفَجَّعًا؛بعدَمَا سَمِعَ بالخَبَرِ،ودَخَلَ علَى رسولِ اللهِ   صلى الله عليه وسلم ،فلمَّا نظرَ إليهِ قالَ: إنَّا للهِ وإِنَّا إليهِ راجِعُونَ !مَاتَ رسولُ اللهِ ، وجَاءَ مِنْ قِبَلِ رأسِهِ  صلى الله عليه وسلم  ، وقَبَّـلَ جَبْهَتَــهُ وقالَ: وَا نَبـِيَّاهُ ! ثُـمَّ رفَعَ رأسَهُ ثانيةً وقَبَّــلَّ جبهتَــهُ وقالَ: وَا صَفِيَّاهُ ! ثُمَّ قَبَّلَهُ وَقَالَ : وَاخَلِيلاَهُ ! مَاتَ رَسُولُ اللهِ   صلى الله عليه وسلم  .( )ثُــمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ جُمُوعٌ فِي الْمَسْجِدِ، فِي خَطْبٍ عَظِيمٍ، وَفِي أَمْرٍ جَسِيمٍ، وهُمْ مُـختلِفُونَ في هَذَا النَّبَأِ،فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَاتَ رسُولُ اللهِ   صلى الله عليه وسلم  ، ومنهُمْ مَنْ يقولُ: بلْ لـَمْ يَـمُتْ،وإنَّما غُشِيَ عليهِ؛ فالأمرُ أشدُّ مِنْ أَنْ يَحْتَمِلُوهُ،والخَطْبُ عَظِيمٌ، ومِنْ هولِهِ كَانَ ثَالِثُ رَجُلٍ فِي الإِسْلَامِ مَذْهُولاً؛ حَيْثُ قَامَ عُمَرُ رضيَ اللهُ عنهُ، يَخْطُبُ في الناسِ، ويقولُ: لَمْ يمتْ رسولُ اللهِ   صلى الله عليه وسلم  ،لا يَمُوتُ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  حتَّى يُفْنـِيَ اللهُ المُنَافِقِينَ، ويتقدَّمُ الصِّدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ، هذهِ الْجُمُوعَ العظِيمةَ فِي الْمَسْجِدِ، ويَخْطُبُ بِهِمْ خُطْبَةً بَلِيغَةً؛ ثَبَّتَ اللهُ بِهَا الْقُلُوبَ المُؤْمِنَةَ، حَيْثُ حَمِدَ اللهَ وَأَثنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ كَلِمَتَهُ الْمَأْثُورَةَ الَّتِي تَنَاقَلَتْهَا الأَجْيَالُ،وَسَطَّرَتْهَا الأَقْلَامُ، وَحَفِظَهَا الصِّغَارُ والْكِبَارُ: "مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ،وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ" ثُمَّ تَلا قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: 

(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ)،وَقَولَه÷ تَعَالَى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران : 144)( )وقَرَعَتِ الآيَةُ آذَانَ الصَّحَابَةِ، وَرَفَعَتْ عَنْ أَعْيُنِ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ مِنْهُمُ الْخَبَرَ الْغِشَاوَةَ، فَتَأَكَّدَ الجمِيعُ مِنْ صِحَّةِ خَبر الوفاةِ،وأَخَذُوا يُرَدِّدُونَ الآيَةَ، حَتَّى كَأَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ إِلَّا الآنَ؛ قَالَ عُمَرُ- رضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -:«وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلاَهَا فَعَقِرْتُ، حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلاَيَ، وَحَتَّى أَهْوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلاَهَا، عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ   قَدْ مَاتَ»( ) 

فقالَ حَسِّانُ :

            فَظَلَلْتُ بَعْدَ وَفَاتِهِ مُتَبَلِّــــــــــــدًا           مُتَلدِّدًا يَا لَيتَني لم أُولَـــــــــــــــــــدِ 

            أَأُقِيمُ بَعدكَ بالمدينةِ بينهُم ؟           يَا ليتني صُبِّحْتُ سُمَّ الأَسْوَدِ

           أَوْ حَلَّ أمرُ اللهِ فينَا عَاجِـــــــــلاً           في رَوْحَةٍ مِن يومِنَا أو مِنْ غَدِ

وَأَقْبَلَتْ فاطمةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-مَذْهُولةً مَفْجُوعةً؛ بَعْدَمَا وَصَلَهَا الْخَبَرُ، وَهِيَ تَقُولُ: "يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ "( ) 

    مُفَجَّعَةً قدْ شَفَّهَا فَقْدُ أَحْمَــــــدٍ                      فَظَلَّتْ لِآلَاءِ الرَّسُولِ تُعَـــــــــــــــــــــــــدِّدُ

     فَبَكِّي رسولَ اللهِ يَا عَيْــنُ عَبـْرَةً                      وَ لاَ أَعْرِفنْكِ الدهرَ دَمْعُكِ يَجْمَدُ

   قالت أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: (( بَيْنَا نَحْنُ مُجْتَمِعُونَ نَبْكِي لَمْ نَنَمْ، وَرَسُولُ اللَّهِ   صلى الله عليه وسلم  فِي بُيُوتِنَا، وَنَحْنُ نَتَسَلَّى بِرُؤْيَتِهِ عَلَى السَّرِيرِ،إذْ سَمِعْنَا صَوْتَ الفُؤوسِ فِي السَّحَرِ، لِحَفْرِ قَبْرِهِ   صلى الله عليه وسلم  ، فَصِحْنَا وَصَاحَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ،فَارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ صَيْحَةً وَاحِدَةً،وأذَّن بِلَالٌ بِالْفَجْرِ، فَلَمَّا وَصَلَ لِقَوْلِهِ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، بَكَى وانتَحَبَ،فزادَنَا حُزنًا، فَيَا لَهَا مِنْ مُصِيبَةٍ مَا أُصِبْنَا بَعْدَهَا بِمُصِيبَةٍ ،إِلَّا هَانَتْ إِذَا ذَكَرْنَا مُصِيبَتَنَا بِهِ  صلى الله عليه وسلم  )) ( ) 

         وَمَا فَقَدَ الــمَاضُونَ مِثْلَ محمدٍ              وَلا مِثْلُهُ حتَّى القيامةِ يُفْقَدُ 

         وهلْ عَـــــدَلَتْ يومــاً رَزِية ُ هالكٍ              رَزِية َ يومٍ ماتَ فيهِ محمَّدُ ؟!!

 وقَالَتْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-:(مَا عَلِمْنَا بِدَفْنِ النَّبيِّ  صلى الله عليه وسلم  حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِي فِي جَوْفِ لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ) ( ). فَلَمَّا دُفِنَ، قَالَتْ فَاطِمَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: يَا أَنَسُ، أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  التُّرَابَ ؟ " ( ) 

    تَهِيلُ عليهِ التُـرْبَ أيدٍ وأَعْيُـــــــــــــــــنٌ                   عليهِ،وقدْ غَارَتْ بِذَلِكَ أسْعُـــــــــدُ

    فَبُورِكتَ،يا قبرَ الرّسولِ،وَبُورِكـَــتْ                   بِلاَدٌ ثَوَى فيهَا الرَّشِيدُ المُسَــدَّدُ

    وَبُورِكَ لَحْدٌ مِنْكَ ضُمِّنَ طَيَّبًــــــــــــــا                    عَلَيهِ بِنَاءٌ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّــــــــــــــــدِ

    لقد غَيّبوا حِلْماً وعِلْماً وَرَحْمْـــــــة ً                   عِشِيَّة َ عَلَّوهُ الثَّرَى ، لا يُوسَّـــــــدُ

  وبموتِه   صلى الله عليه وسلم  انقطَعَ الوحيُ منَ السَّماءِ ، وتلكَ وربي مُصيبةٌ أخرى ، بَكَى لأجلِهَا صَحَابةُ رسولِ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  لِعُمَرَ: " انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ   صلى الله عليه وسلم   يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا : مَا يُبْكِيكِ ؟مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ، فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ  صلى الله عليه وسلم  ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا " ( )

   بـِهَا حُجُرَاتٌ كَانَ يَنْزِلُ وَسْطَهَـــــــــــــــــــا           مِنَ اللهِ نُورٌ يُسْتَضَــــــاءُ، وَيُوقَـــــــــــــــــــــــــــدُ

  ظَلَلْتُ بِهَا أَبْكِي الرسولَ، فَأَسْعَــــدَتْ           عُيونٌ، وَمِثْلاهَا مِنَ الجَفْنِ تُسعِــــــــــــــدُ

عَفُوٌ عَنِ الزَّلاتِ يَقْبَــــــــــلُ عُــــــذْرَهُـــــــــــــــم            وَإِنْ يُحْسِنُوا فَاللهُ بِالْخَيْرِ أجْــــــــــــــــــــوَدُ

   هَذَا نَبَأُ وَفَاةِ نبينا محمد   صلى الله عليه وسلم  " فَمَا بَالُنَا لَا نَتَّعِظُ بِمَوْتِ  مُحَمَّدٍ  صلى الله عليه وسلم   ؟! سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ ، وَخَلِيلِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ؛ هَلْ نَظُنُّ أنَّنَا مُخَلَّدُونَ ؟!

لَو كَانَتِ الدُّنْيَا تَدُومُ لِأَهْلِهَا                   لَكَانَ رَسُولُ اللهِ حَيًّا يُخَلَّدُ

نَعَمْ ،لنْ يُخَلَّدَ في الدُّنْيَا أَحَدٌ؛ بَلِ الأمْرُ كمَا قالَ اللهُ تَعَالَى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران : 185 )

 

         فَأَعِدُّوا عُدَّةَ الرَّحِيلِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، فِإنِّ الآجَالَ تَنْزِلُ بِلاَ اِسْتِئْذَانٍ، وَتَحُلُّ بِلاَ إِعْلَانٍ، فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَادِمِ اللَّذَاتِ،ومُفرِّقِ الْجَمَاعَاتِ ، فاعْلَمْ بأن الْمَوْتَ آتِيكَ ، فلاَ تَغْتَرَّ بِصِحَّتِكَ ، ولا بِقُوَّتِكَ ، ولا بِشَبَابِكَ وفُتُوَّتِكَ؛ فَالْمَوْتُ لَا يُفَرِّقُ بينَ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ ، وَلَا بَيْنَ غَنِيٍ وَفَقِيرٍ ، وَلَا بَيْنَ عَظِيمٍ وَحَقِيرٍ،ولا بينَ شَرِيفٍ وَوَضِيعٍ،وَلَا رَئِيسٍ وَ مَرْؤُوسٍ، وَلَا بَيْنَ صَحِيحٍ وَعَلِيلٍ ؛ فاِسْتَـعِدَّ لهُ بالعملِ الصَّالِحِ فَلا تَعْلَمُ - واللهِ - مَتَى يَفْجَؤُكَ الأَجَلُ . 

فلـرُبَّمَـا تـأتـِي الْمَنِيَّـةُ بغتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــةً            فتُسَــاقُ مِنْ فُرُشٍ إِلَى أَكْفَـــــــــــــانِ

قم في الدُّجَى واتْلُ الكتابَ ولا تَنــــــــــمْ            إلا كـنومـــــــــــــــــةِ حَـائِـــــــــــــرٍ وَلْهَــــــــانِ

ياحَبَّذَا عَيْنَـانِ فِي غَسَـقِ الدُّجَـــــــــــــــــــــــــــى            مِنْ خَشْيَـةِ الرَّحْمـنِ بـَاكِيَتَــــــــــــــــانِ

فـاللهُ ينـزلُ كُـلَّ آخـرِ ليـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلةٍ           لسمـائِهِ الدُّنْيَـا بِلَا نُكْــــــــــــــــــــــــــــــرَانِ

فيقـولُ هَـلْ مِنْ سَـائِلٍ فَأُجِيبُـــــــــــــــــــــــــــــــــــهُ            فَأَنَا الْقَرِيبُ أُجِيبُ مَنْ نَـادَانِـــــــي

نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا قَبْلَ الْمَوْتِ تَوْبَةً، وَعِنْدَ الْمَوْتِ شَهَادَةً ، وَبَعْدَ المَوْتِ جَنَّةً وَنَعِيمًا، ونقولُ كَمَا قَالَ حَسَّانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ :

               يَــــــــا رَبُّ فَاجْمَعْنَـــــــا مَعًا وَنَبِيَّنَا         فِي جَنَّةٍ تُثْنـِي عُيُونَ الْـحُسَّـــــــــــــــــــد

            فِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ فَاكْتـُــبْـهَا لَـــــنَا          يَا ذَا الْـجَلَالِ وَذَا الْعُلَا وَالسُّؤْدَد